الغزالي

51

المستصفى

كذلك لم يخل عقل عاقل عن معرفة الوجوب ، بل لا بد من تأمل ونظر ، ولو لم ينظر لم يعرف وجوب النظر ، وإذا لم يعرف وجوب النظر فلا ينظر ، فيؤدي أيضا إلى الدور كما سبق ، فإن قيل : العاقل لا يخلو عن خاطرين يخطران له : أحدهما : أنه إن نظر وشكر أثيب ، والثاني : أنه إن ترك النظر عوقب ، فيلوك له على القرب وجوب سلوك طريق الامن ، قلنا : كم من عاقل انقضى عليه الدهر ولم يخطر له هذا الخاطر ، بل قد يخطر له أنه لا يتميز في حق الله تعالى أحدهما عن الآخر ، فكيف أعذب نفسي بلا فائدة ترجع إلي ولا إلى المعبود ؟ ثم إن كان عدم الخلو عن الخاطر بعد إنذار النبي وتحذيره ، ونحن لا ننكر أن الانسان إذا استشعر المخافة استحثه طبعه على الاحتراز ، فإن الاستشعار إنما يكون بالتأمل الصادر عن العقل ، فإن سمى مسم معترف الوجوب موجبا فقد تجوز في الكلام ، بل الحق الذي لا مجاز فيه أن الله موجب أي مرجح للفعل على الترك ، والنبي مخبر ، والعقل معرف ، والطبع باعث والمعجزة ممكنة من التعريف ، والله تعالى أعلم . مسألة ( حكم الافعال قبل ورود الشرع على الإباحة ) ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن الافعال قبل ورود الشرع على الإباحة ، وقال بعضهم : على الحظر ، وقال بعضهم : على الوقف ، ولعلهم أرادوا بذلك فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح ضرورة أو نظرا كما فصلناه من مذهبهم ، وهذه المذاهب كلها باطلة ، أما إبطال مذهب الإباحة فهو أنا نقول : المباح يستدعي مبيحا كما يستدعي العلم والذكر ذاكرا وعالما ، والمبيح هو الله تعالى إذا خير بين الفعل والترك بخطابه ، فإذا لم يكن خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة ، وإن عنوا بكونه مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه فقد أصابوا في المعنى وأخطأوا في اللفظ ، فإن فعل البهيمة والصبي والمجنون لا يوصف بكونه مباحا ، وإن لم يكن في فعلهم وتركهم حرج ، والافعال في حق الله تعالى أعني ما يصدر من الله لا توصف بأنها مباحة ولا حرج عليه في تركها ، لكنه انتفى التخيير من المخير انتفت الإباحة ، فإن استجرأ مستجرئ على إطلاق اسم المباح على أفعال الله تعالى ولم يرد به إلا نفي الحرج فقد أصاب في المعنى وإن كان لفظه مستكرها ، فإن قيل : العقل هو المبيح ، لأنه خير بين فعله وتركه ، إذ حرم القبيح وأوجب الحسن وخير فيما ليس بحسن ولا قبيح قلنا : تحسين العقل وتقبيحه قد أبطلناه ، وهذا مبني عليه فيبطل ، ثم تسمية العقل مبيحا مجاز ، كتسميته موجبا ، فإن العقل يعرف الترجيح ، ويعرف انتفاء الترجيح ، ويكون معنى وجوبه رجحان فعله على تركه ، والعقل يعرف ذلك ، ومعنى كونه مباحا انتفاء الترجيح ، والعقل معرف لا مبيح ، فإنه ليس بمرجح ولا مسو ، لكنه معرف للرجحان والاستواء ، ثم نقول : بم تنكرون على أصحاب الوقف إذا أنكروا استواء الفعل والترك وقالوا : ما من فعل مما لا يحسنه العقل ولا يقبحه إلا ويجوز أن يرد الشرع بإيجابه ، فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي لأجله يكون لطفا ناهيا عن الفحشاء ، داعيا إلى العبادة ، ولذلك أوجبه الله تعالى ، والعقل لا يستقل بدركه ويجوز أن يرد الشرع بتحريمه فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي يدعو بسببه إلى الفحشاء لا يدركه العقل ، وقد استأثر الله بعلمه هذا مذهبهم ثم يقولون : بم تنكرون على أصحاب الحظر إذ قالوا : لا نسلم استواء الفعل وتركه ، فإن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح والله